ماذا تريد من الجمعية الوطنية اتصل بنا بحوث،آراء وتعليقات كتابات السيرة الذاتية

 بحوث،آراء وتعليقات

جذور الأستبداد الديني

مشروع دراسات الديمقراطية
في البلدان العربية

اللقاء السنوي الرابع عشر
"الإستبداد وحكم التغلب في أنظمة الحكم العربية المعاصرة"
************************ 
الجذور الدينية للإستبداد
 
  الإستبداد في فكرة ولي الأمر وفقه الغلبة وولاية الفقيه في الوقت الراهن
الدكتور علي الدباغ
***********************
ST. CATHERINE’S COLLEGE, UNIVERISTY OF OXFORD,
MANOR ROAD, OXFORD, UK.
 
الجذور الدينية للإستبداد

الإستبداد في فكرة ولي الأمر وفقه الغلبة وولاية الفقيه في الوقت الراهن**
الدكتور علي الدباغ
 

 الإستبداد بأبسط تعريفاته هو تفرد بالرأي في شؤون تخص الجماعة وبالتالي فهو إحتكار أو إغتصاب لحق الجماعة في إبداء رأيها، وفي النهاية فهو طغيان وإعتداء على الآخر.
يعتبر الإستبداد في الدول العربية حالة عامة وغالبة وسمة أساسية تطبع الحياة السياسية العربية، على ان الإستبداد له جذوره الممتدة لعصور الإسلام الأولى التي أفرزت نظما للحكم أكتسبت شرعية دينية بمرور الوقت ولتصبح حكما ونظرية مقدسة لايجوز الحديث عنها والخروج عن تشكيلتها أو التفكير بطرح بديل عنها والإستفادة من تطور النظم المدنية و ظهور أنظمة حكم تنظم ضوابطا للحاكم والمحكوم بأجهزة رقابة تفرض شفافية صعودا الى طريقة متحضرة لإختيار رأس السلطة ومنعه من الإستبداد والإنفراد في الرأي.
وقد وجد النظام العربي الحالي في تلك النظريات والنظم ما يشبع رغبة الإستبداد فيه فتشبث بها بقوة وقاتل من أجلها على الرغم من أن هذا النظام العربي لم يعر أهمية للإعتبارات الدينية الأخرى، ويوازي هذا الإستبداد السياسي إستبدادا آخر بدأ يتبلور في فكر بعض الحركات الإسلامية.
وعلى الرغم من ان الإستبداد والتغلب له أسباب عديدة منها ماهو ذاتي ومنها ماهو موضوعي ومنها ماهو تراثي متراكم ومنها ماهو حديث ومعاصر.
نحاول في هذا البحث أن نسلط الضوء على جانب واحد من هذه الأسباب وهي الجذور الدينية للإستبداد ونشأتها تاركين بحث الأسباب الأخرى للإستبداد للآخرين، علما بان هذا البحث ليس بحثاً فقهياً وان كان قد أستعان ببعض المصطلحات الفقهية، لكنه بحث فكري يقتبس من الفقه ولا ينقده، بل ينقد الآثار الأجتماعية التي تترتب عليه.

نظرية الحكم في الإسلام

1- عند الشيعة الإمامي

النظرية الإسلامية في الحكم عند الشيعة الإمامية الإثنا عشرية في زمن حضور المعصوم والتي تعتبر جزءاً من العقيدة وأصلا من إصول الدين تستند على أن النبي يستمد شرعيته من الله الذي أصطفاه وأختاره وعينه وهو معصوم من الخطأ وقد قام النبي بأمر من الله بتسمية أثني عشر خليفة (إماماً) من بعده سماهم باسمائهم وهم الإئمة الإثنا عشر وهم معصومون أيضا وتقع وظيفتهم الأساسية في تفسير و حراسة الإسلام عقيدة وشريعة من التحريف.
 ـــــــــــ
**ورقة أعدت في سياق موضوع اللقاء الرابع عشر لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية حول " الإستبداد وحكم التغلب في أنظمة الحكم العربية المعاصرة "
 والوظيفة الثانية هي مهمة الحكم، ليستطيع المعصوم أن يحقق الوظيفة الأساسية من خلالها ولكنه يستطيع أن يحققها بدون تسلمه الحكم.
 ويؤمن الشيعة الإمامية ان هؤلاء المعصومين مسددون من الله تعالى ومعصومون من الخطأ بملكة ذاتية وقدرة على منع النفس من إرتكاب الخطأ فهم لايظلمون ولا يستبدون.

على ان فكرة حكم المعصوم قد تم تطبيقها في عهد النبي و في عهد علي ابن ابيطالب وشهور معدودة في عهد ولده الحسن بن علي وقد كان واضحا إن الممارسة اليومية مع المعارضين كانت تتسم بأعلى درجات التسامح حتى مع المعارضين السياسيين وقد بدى هذا واضحا بصورة عملية في زمن علي بن أبيطالب - والذي لم يفرض بيعة ملزمة لحكمه في عنق الآخرين- على أساس أن المعارضة في زمن النبي كانت لاتجرؤ على الكشف عن نفسها حتى مع توفرالمقومات والحصانة التي كان يضفيها نبي الرحمة .

هذه النظرية محكومة بوجود النص عند وجود الإمام ولكن بعد غياب المعصوم فلا يوجد نص عليها وبالتالي فأن حكم تطبيقها كان مرتبطا بفترة مضت وأنقضت ولا يتوفر أي غطاء ديني أو مسوغ شرعي لأن يتم تعميم هذه الفكرة أو إعادة تطبيقها من قبل الناس العاديين (غير المعصومين) وبالتالي فان هذه الفكرة تصبح غير قابلة للتطبيق ومرفوضة دينيا في العصر الحاضر لإنقضاء عهدها وعدم وجود أي نص لتطبيقها في زمن الغيبة ولا يمكن أن تشكل ذريعة لتجديدها من قبل أي كان من عامة البشر وهكذا فان إمكانيات ظهور إستبداد تحت هذا المسمى يفتقد لأي أرضية أو بيئة يمكن أن تضفي عليه أي نوع من الشرعية الدينية.

وفي غياب المعصوم فلا يوجد إجماع شيعي على صيغة محددة لنظام الحكم - وان ظهرت لهم دويلات هنا وهناك في أزمان مختلفة يتسم معظمها بإستبداد واضح لايختلف في كلياته عن نظام الخلافة أو وفق نظريات معينة كنظرية ولاية الفقيه التي سنبحثها لاحقا، أو قبول- وعلى هذا فيمكن للقاعدة الشيعية التعايش مع أي نظام يحترم الثوابت الدينية ولا يعتدي عليها على إعتبار ان الحاكم الحقيقي في نظرهم هو الإمام الغائب المهدي المنتظر (الإمام الثاني عشر) الذي سيقيم حكومة العدل الموعودة عند ظهوره وممارسته لسلطاته كإمام معصوم وحاكم أيضا.

وفي هذه الحالة فأن إمكانيات الإستبداد والتغلب لا تعتبر قائمة في هذه النظرية لأن الإمام بالدرجة الأولى تكون مهمته التبليغ والتشريع (في الحدود الموصوفة له) وحفظ الشريعة والشرح والتفسير وأما الجانب السياسي السلطوي فهو مهمة ثانوية ومضمون فرعي للإمامة، حيث ان الإمام يحمل هذه المهمة الأساسية بصورة مستقلة عن كونه حاكما سياسيا يملك السلطة التنفيذية فعلاً أو غير حاكم، لا بصورة متوازية لمهمته السياسية أي أن مهمة الإمام المعصوم ليست سياسية أو تنظيمية سلطوية بالدرجة الأولى وانما هي عقائدية تشريعية بالدرجة الأولى وسياسية تنظيمية بالدرجة الثانية ومن هنا فان الإمام المعصوم عندما يفقد منصبه السلطوي فإنه لا يفقد إمامته بل يضحي بدوره السلطوي السياسي لمصلحة الدور الأول وبالتالي فلا يمكن أن يتولد تغلب أو إستبداد، لأن مهمة التبليغ والتشريع يكون قبولها من الناس أمرا طوعياً ولايمكن تطبيقها قسرياً.

 لذلك يمكن قبول الأنظمة الديمقراطية وانتخاب رأس السلطة بالإقتراع المباشر أو غير المباشر من قبل المجالس المنتخبة والتي تستطيع أن تمنع إستبداد وانفراد الحاكم وتوفير ضمانات لعدل السلطة كما عبر عن ذلك أحد مراجع الشيعة الكبار وهو محمد حسين النائيني في كتابه "تنبيه الأمة وتنزيه الملة" بضرورة وجود دستور الذي عرفه بإنه: " أعلى القوانين وأحكامه لازمة الإجراء على كل فرد وإنه يحدد صلاحيات الحاكم ويعرف حقوق الشعب وحرياته"، بل ذهب أكثر من ذلك في إعتبار مقاومة الإستبداد واجب شرعي وليس حاجة سياسية فقط على إعتبار ان الإستبداد هو اخضاع الناس بالقوة ودفع لهم بالإكراه على طاعة المستبد وأذا هم استجابوا فإن ذلك سيكون ظلما للنفس وعبودية للطغاة التي تصل الى الشرك بالله الواحد الأحد ولإنقاذ عقيدة التوحيد من شبهة الشرك وهو ما عرف وقتها بفقه المشروطة والذي أفرز فكرا متقدما في مقاربة مفهوم السلطة في عصر الغيبة وانتج رؤية منفتحة تجاوزت الموروث الذي حكم الحياة السياسية الإسلامية في نقاط رئيسية نجملها بما يلي:

‌أ.    ولاية الأمة على نفسها مع ما تفرضه من عدم حصر الأمور الحسبية بنواب الإمام الغائب بل يكون  ذلك من خلال نواب الأمة في مجلس الشورى المنتخب.
‌ب. تحويل السلطة والممارسة السياسية الى شأن عام يشمل جميع أفراد المجتمع ولا ينحصر بالفقهاء.
‌ج. أعتبار المواطنة هي القاعدة التي تقوم عليها الحقوق لأفراد المجتمع وليس الدين وبذلك فقد حل إشكالية الذميين منذ قرن من الزمن قبل أن ينظر اليها الى إنها مواطنة من الدرجة الثانية.
ونعتبر أن هذه المحاولة الجسورة من النائيني نقلة كبيرة في الفكر السياسي الإسلامي الشيعي بإتجاه التمازج مع الحياة المدنية المعاصرة والدولة الوطنية في زمن الغيبة أو "ميثولوجيا الإمامة" كما يسميها محمد عابد الجابري في "العقل السياسي العربي".

2- عند المذاهب الأربعة

إن المفهوم العام والوظيفة المركزية للإمامة عند المذاهب الاربعة هو الحكم بالدرجة الأساسية حيث يؤدي الحاكم من خلاله وظيفة إقامة الأحكام وحراسة الدن وبالتالي فإنه لا يستطيع أن يقوم بالدور الثاني مالم يتسلم مقام الحاكم على عكس النظرة الشيعية التي ترى للإمام الدور الثاني أولاً وبمعزل عن تسلمه الحكم كما أسلفنا، لذا فإننا عند مقاربتنا لمفهوم الإمامة عند المذاهب الأربعة نتجه الى تعريفها بالحاكم الدنيوي حصرا الذي يتساوى مع غيره ولايتفرد عنهم بنص أو بحديث أو بملكة تميزه عن الآخرين.

لم يفرز النظام السياسي الذي تولى الحكم بعد النبي - وقبل نشوء فكرة المذاهب الأربعة في القرن الثاني- حكما أو شكلا محددا أو طريقة متفق عليها تحدد المعالم الأساسية لتسمية رأس السلطة أو الحاكم كما يبين ذلك علي عبدالرازق في "الإسلام وأصول الحكم" .

على أن فكرة الخلافة والتي كانت في عصرها الذهبي في زمن الخلفاء الراشدين وتجربتها التي تختزنها الأمة في وعيها كنموذج يحتذى للإقتداء به، فأن نفس هذا الوعي يختزن أيضا وبمرارة مساؤئ الخلافة الأموية والعباسية والتي تمثلت في أعلى صور الإستبداد والتفرد والتي حولت الحكم الى ملك عضوض لايرقى حتى أن يكون منصبا دنيويا تنفيذيا عادلا، فضلا عن أعطائه الصبغة الدينية.

نظام الخلافة هذا قد مهد لنشوء إستبداد مزمن في جسد الأمة ونعتقد إنه كان المانع لأي تطوير لنظام مدني في ممارسة الحكم حيث إنه كان كما يصفه علي عبد الرزاق بالسلطان المطلق الذي ينزل من أمته بمنزلة الرسول من المؤمنين وهذا الخليفة بهذه الصفة يستعصي أمره على أي أحتساب أو رقابة ويصبح بذلك سلطانا مطلق الصلاحيات وسلطته غير قابلة لأي نوع من أنواع الأقتسام، فله وحده الأمر والنهي، وبيده وحده زمام الأمة، وتدبير ماجل من شؤونها وما صغر. كل ولاية دونه فهي مستمدة منه، وكل وظيفة تحته فهي مندرجة في سلطإنه، وكل خطة دينية ودنيوية فهي متفرعة عن منصبه.

لذلك نجد أن بدايات الإعتراض على هذا الشكل من الحكم الذي أنحدر الى ملك عضوض قد تمت مواجهته بأقسى درجات البطش والتنكيل أبتدأ بعهد معاوية ولم ينته لغاية الآن، لذلك فأن الخلافة على رأي عبد الحميد بن باديس رمز خيالي في عقول المسلمين وان اللهفة في الرجوع اليها هو لعجز العقل العربي في تطوير نظام سياسي يتآلف مع الدين ويحتويه الدين ولا يتنافر معه.

وقد تم تفصيل نظريات لاحقة بعد الصدر الأول للإسلام لشرعيات مختلفة لتسلم الحكم والسلطة وأصبحت مصدرا تشريعيا فيما بعد،
وهذه النظريات يمكن إجمالها بما يلي:
 
أ- إختيار أهل الحل والعقد

يبدو أن الرأي الغالب قد استقر على أن إختيار الخليفة أو الإمام عند مذهب أهل السنة يتلخص فيما أورده عبد القاهر البغدادي المتوفى في 429 هـ في كتابه أصول الدين ص 280: "أن الإمامة تنعقد لمن يصلح لها بعقد رجل واحد من أهل الإجتهاد والورع، إذا عقدها لمن يصلح لها، فاذا فعل ذلك وجب على الباقين طاعته".
وهكذا قال القاضي أبو بكر الباقلاني المتوفي سنة 403 هـ في التمهيد والأيجي المتوفي سنة 756 هـ في المواقف، ومنهم من ذهب الى إنها تنعقد بخمسة فقط، كما هي في بيعة أبو بكر التي أنعقدت بخمسة هم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبو حذيفة وبشير بن سعد وأسيد بن خضير، وكذلك في جعل عمر الشورى في ستة لتنعقد البيعة من خمسة أشخاص.
وقد رفض أبن حزم الأندلسي المتوفى سنة 456 هـ في كتابه الفصَل صحة عقد الإمامة بعقد فضلاء الأمة في أقطار البلاد.

ب‌-  العهد من الإمام السابق وتشمل ولاية العهد والميراث

ويمكن تلخيص هذا الرأي بايجاز على ما ذكره الماوردي المتوفى 450 هـ في الاحكام السلطانية: "والإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما بإختيار أهل العقد والحل، والثاني بعهد الإمام من قبله" وأورد في باب آخر جواز عدم أستشارة أحد من أهل الإختيار وجاز له أن ينفرد بعقد البيعة وتفويض العهد اذا عقدها لغير الوالد والولد.
وسبقه الى ذلك أبو الحسن الأشعري المتوفي سنة 330 هـ في الابانة والذي أثبت فيها صحة عهد ابو بكر الى عمر.وتبعه الباقلاني الذي ايد عقد الولاية لعمر.
 ومن المحدثين نرى الشيخ محمد الشربيني المتوفى سنة 977هـ فى مغني المحتاج ينص على أن "لايشترط في الإستخلاف رضى أهل الحل والعقد في حياته أو بعد موته أذا ظهر له واحد جاز بيعته من غير حضور غيره ولا مشاورة أحد، ويجوز العهد الى الوالد والولد كما يجوز لغيرهما، وقد جزم به صاحب الأنوار وابن المقري".

ج‌-  الإستيلاء أوالغلبة (وسمي بعدئذ فقه الغلبة)

وقد بين أبو حامد الغزالي المتوفى سنة 505 هـ في الإقتصاد في شرح مطول بانعقاد الإمامة لمن انتهض لهذا الأمر مع فوات شروطها لحال الضرورة.
وكذا تبعه القلقشندي المتوفي سنة 821 هـ في أعتبار الطريق الثالث من الطرق التي تنعقد بها الإمامة هي القهر والأستيلاء.

إن الطرق التي مر ذكرها قد أعتبرت حصريا طرقا شرعية لتعيين الحاكم وقد تم تقوية أحدها على الأخرى إعتمادا على ما شهدته تلك الفترة من ظرف يتطلب تغليب طريقة على أخرى كما في التساهل في نظرية أهل الحل والعقد التي تنطلق من عدم إشتراط أهل العقد في جميع الأمة المسلمة بل يكتفي بمن وجد فيهم في بلد الإمام ثم من يكتفي ببعضهم ثم يتضائل ليصل الى خمسة فواحدا.

بينما يضعف إبن حزم نظرية أهل الحل والعقد لمصلحة العهد فيراها أفضلها وأصحها، بل يتنازل أكثر عندما يصرح في ص 170 " فان مات الإمام ولم يعهد الى إنسان بعينه فوثب رجل يصلح للامامة فبايعه واحد فأكثر، ثم قام آخر ينازعه ولو بطرفة عين بعده، فالحق حق الأول سواء أكان الثاني أفضل منه أو مثله أو دونه".
وهكذا يرى الزيدية بان كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي خرج بالإمامة يكون واجب الطاعة ولو لم يبايعه أحد، فإنه بخروجه ودعوته الناس الى نفسه يكون إماما.
وهكذا فقد صرف النظر تحت وطأة الرغبة أو الأظطرار الى تبرير النهج القائم الذي آل اليه الحكم الإسلامي عن دور الأمة وتوقف الشرعية عليها، الى الأكتفاء عنها ببيعة شخص واحد.
ثم آل الأمر الى إعتبار ولاية العهد طريقا شرعيا حتى في حالة تعدد ولاة العهد، ثم إنتهى الأمر الى إعتبار التسلط بالقوة طريقا شرعيا كما يرى شمس الدين في "نظام الحكم".
وقد استندت جميع هذه النظريات الى ان النبي لم ينص على تعيين خليفة، لذلك فللمسلمين أن يسلكوا في تعيين الخليفة أي طريق يشاؤون.

 وقد تم التنظير وحشد الآراء ووضع أحاديث للتدليل على هذه النظريات، على أن هذه النظريات لاترقى لصفة الإلزام الديني أو العقيدي بل كانت بعضها تجارب تطبيقية لها مالها وعليها ماعليها وكثيرا منها أسست لإستبداد سلطوي أصبح منهجا في الحكم إستمر ليومنا هذا و لعبت بها السياسة والقبلية والمال والقوة فعلها لتنتج طرقا وأساليب للحكم بدت وكإنها ترقى لصفة القداسة بسبب تكرارها وإستعمال بطش وقوة ضد المعارضين الذين حاولوا أن ينتفضوا على تلك القوالب التي ألزمت الآخرين بإتباعها.

وواضح أن مقومات ظهورالإستبداد تبدو جلية وواضحة ولايوجد ما يحد أو من يحد من هذه النزعة وسط إرهاب فكري وديني بالتكفير والخروج على الإجماع العام لذلك فقد انطبعت الحياة العربية الإسلامية ومنذ بواكيرها بالتفرد والفردية والتي وإن سلمت من الإستبداد في الرأي في العصر الأول، لكنها أستشرت مع الحكم الأموي وماتلاه من حكم بني العباس.

وللأسف فلم تسمح الظروف السياسية وقسوة الحكام المستبدون لبروز وتطور في الفكر السياسي الإسلامي أو فرز آليات ملزمة تسمح لعامة المسلمين من ممارسة دورهم في إختيار الحاكم بطريقة عادلة ومتكافئة، بل لعبت مرة أخرى السياسة والمال والنفوذ دورا كبيرا ومتواصلا ولقرون إستمرت لعصرنا الحاضر في تجميد الفكر السياسي وإرغامه وإلزامه بقوالب تمت صياغتها وتم تثبيتها كأركان مقدسة.

لذلك نخلص الى أن قضية الحكم هي مسألة مدنية بحتة لا يفرض فيها الإسلام شكلا أو قالبا يلزم إتباعه مثلما هي في الأمور التي ترتبط بالعقيدة أو في المسائل التعبدية الأخرى التي يعتبر الخروج عليها خروجا من الدين يوجب نوعا من التكفير.
 

الإسلام والديمقراطية

 
 لابد لنا من البحث في هذا المحور سعيا للخروج بفهم منفتح وواع يقبل ان يطور المسلمون نظاما مدنيا للحكم وأن لايبقى أسيراً لفكرة ليست من العقيدة بشئ و طبعت الحياة الإسلامية وتوقف فيها الأبتكار والتطوير لأي نظاماً للحكم.

من المفيد جداً في فهم منفتح للديمقراطية أن نعتبر الديمقراطية نهجا في التفكير وإسلوبا في العمل السياسي والإجتماعي والفكري أكثر مما هي صيغة ووصفة ثابتة محددة المقادير مقرها اوروبا الغربية وشمال اميركا وهي في حالة تطور مستديم يصعب علينا أن نعتمد منه نموذج أوحد نحتكم اليه، وأنما هناك ثوابت نستطيع أن ننطلق منها بما يتوافق مع صياغة مقبولة تراعي المكون الثقافي والفكري والديني أيضا.

من المفيد أيضا أن نعتمد نهجا تدريجيا لعملية التحول الديمقراطي الذي لا يتوقف بل يتطور صعودا للوصول الى نموذج متقدم للديمقراطية وأن لا نصر على تطبيق صيغة جاهزة دفعة واحدة، ومما يشفع لنا في هذه المقاربة أن اختلاف المفاهيم في بلد عنه في آخر يفرز نمطا مختلفا من التعامل مما يسمح بإبتكار آليات تتلائم في الصيغة مع الأوضاع المختلفة للبلدان طبعا مع الحفاظ على الجوهر وعدم التهاون فيه، مثلا فكرة الفردية التي تطغى على الفكر الرأسمالي الغربي يقابلها توازن بين الفرد والجماعة في الفكر الإسلامي الذي لايسمح بطغيان الفردية المطلقة على حساب المجموع وبالتالي فإن العملية الإنتخابية قد لا تحتكر الفرد كقاعدة في عملية الإقتراع بل تشرك المجموعات معه أيضا.

ومن المفيد أيضا أن نبين ان مفهوم الشورى في الإسلام لم يتم التعامل معه ومع مضامينه في كتب الفقه القديمة لأن الممارسة السياسية الشورية لم تكن واسعة ولا ذات خطر في التاريخ الإسلامي كما يرى ذلك حسن الترابي في "نظرات في الفقه السياسي" وان مفهوم الشورى قد تم الترويج له حديثاً من قبل الطهطاوي والأفغاني تحت تأثير الإطلاع على الدساتير الغربية ومفرداتها كما يرى ذلك رضوان السيد في "سياسات الإسلام المعاصر"، وان مسألة الشورى كفكرة ومفهوم هي قديمة قدم الإسلام لكنها أصبحت أيدولوجيا معاصرة في الخطاب الإسلامي تحت ضغط التحدي الليبرالي الحديث والحاجة لمواجهة الديمقراطية كفكرة أستهوت المجتمع الإسلامي الذي وجد فيها قربا كبيرا من تكريم الإنسان من قبل الله تعالى ومنظوراً إنسانياً يستهوي النفوس التي تم حكمها بحالة إستبداد مستديمة، وبنفس الوقت شكلت تحديا لإثارة اسئلة ومحاور عديدة توسل المنظرون فيها بايديولوجيا الشورى كجواب على الأسئلة والمحاور  المطروحة عليهم. أضافة الى أن مفهوم الشورى غير محدد المعالم والى أين تنتهي حدوده؟ ومجالات استخدامه؟ ومدى ألزاميته؟ فقد خاطبت الآية الكريمة (وشاورهم بالأمر، فاذا عزمت فتوكل على الله) أعطت صلاحية للنبي بأن ينفذ رأيه دون رأي الجماعة وقد عبر عن ذلك فتحي يكن في "مشكلات الدعوة والداعية" حيث يقول (إن القائد في النظام الإسلامي هو صاحب الصلاحية في تدبير شؤون الأمة، الا إنه ليس ملزما بإتباع رأي الأكثرية في كافة الشؤون والأحوال وتفسير آية الشورى واضح الدلالة على ان القول الفصل بعد المشورة، إنما يعود الى صاحب الصلاحية وليس الأكثرية)، لذلك فان المزاوجة كما قد حاول البعض أن يجريها بين توأمة الشورى والديمقراطية هي عملية لم يكتب لها أي نجاح، على الرغم من تحميل الشورى بمفاهيم هي فوق طاقتها، بل إنهما يتبعادان أكثر مما يتقاربان، لذا فرض التحدي على البحث عن صيغ أخرى للتشابه في دين فيه من الغنى والأتساع والمرونة ما يستطيع معه أن يستوعب مفاهيماً معاصرة.

يستطيع الإسلام أن يستوعب الديمقراطية بمفهومها المعدل (وليس بمفهومها الغربي المطلق التي تمنح ممارسة غير محدودة لحرية الفرد وتمنحه حق التشريع المطلق وأيضا مفهومها الديكارتي المادي) بنظرية أساسية مفادها ان التشريع في الإسلام في القضايا الأساسية وان كان حصرا في الخالق سبحإنه وتعالى، الا إنه قد ترك منطقة فراغ في مساحة التشريع في قضايا أخرى لايوجد معها نص قرآني ليملأها الشعب بواسطة مؤسساته التشريعية المتفق والمتوافق عليها وهذه الرخصة متغيرة بالزمان والمكان بشرط عدم تعارضها مع المبادئ الأساسية للشريعة. وما عدا ذلك فأن الديمقراطية كشكل من أشكال الإدارة قابلة للتجديد والتخصيص حسب زمإنها ومكإنها وإنها على قول راشد الغنوشي في "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" يرى ان "الديمقراطية تقدم أفضل آلية أو جهاز للحكم يمكن المواطنين باستعماله من ممارسة الحريات الأساسية ومنها الحريات السياسية".

تحتوي المبادئ الإسلامية على مبادئ غزيرة متجانسة مع الديمقراطية الغربية وتتماشى مع كثير من مبادئها ومؤسساتها مما يعطي المسلمين فرصة كبيرة للعمل من أجل طرح تصور ديمقراطي لا يتصادم مع الدين، بأعتبار أن الإسلام حضارة وفكرا واسعا يحوي كل القيم العادلة والمنطقية فمثلا يعتبر سيادة الشرع (القانون) على الحاكم والمحكوم من دون إستثناء ركنا مهما في الشريعة يتطابق مع المفهوم الديمقراطي، وكذا بالنسبة الى فصل السلطات وتحديدها وحق المرأة في الإنتخاب والتمثيل النيابي.

على إنه لا توجد وصفة دينية ملزمة للدولة، فيمكن للدولة أن تختار ماتشاء من تطور في الأنظمة الإدارية ومنها أنظمة الحكم بشرط أن تنسجم مع الدين ولا تعاديه بل تجعله أحد الأدوات الأساسية للبناء الحضاري للمجتمع ووازعا حرا وقويا ضد الإخلال بالمجتمع المدني إضافة الى وازع القانون وقوة النظام العام.

إن الخطأ الكبير الذي وقع فيه البعض هو إنه جعل الديمقراطية على إطلاقها نقيضا للإسلام والذي يصل لمرحلة التكفير وجعلهما نظامين متضادين يعادي أحدهما الآخر اما لإنهم غافلين إنه لاتوجد وصفة واحدة للديمقراطية وإنه يمكن صياغة ديمقراطية صديقة أو إنهم قد أوقفوا التاريخ عند أنظمة حكم متعاقبة في حياة المسلمين مارست تغييبا لأفراد المجتمع في إختيار حاكمه أو حتى إختيار والي من الولاة وبذلك حكموا على الإسلام بالجمود وأتهموه بإنه لايستطيع أن يتعايش مع التطور مع ان الإسلام كدين وعقيدة لايهدف الى القطيعة مع الآخر بل يتعايش معه بسلام وأمان وان الإختلاف ليس مناطا للقطيعة بل هو مناط للتواصل والتعارف والتثاقف، فكيف به (الإسلام) لايستطيع أن يتقبل أو يحتضن تطوراً إدارياً يضفي عليه مسحته وطابعه.

على إن الحق يقال إن دراسات معمقة ومنفتحة لمقاصد الديمقراطية وغاياتها يمكن أن تنتج تزاوجا بل تماهيا مع المبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية تزول معها الفكرة المنغلقة والمحدودة للتصورات الدينية التي ترفض المستورد عموما.
 
مظاهر الإستبداد في فكرة الولاية

1- الولاية (ولي الأمر)

لقد أنتج النظام الرسمي الإسلامي مفهوما لولي الأمر تم تفصيله وتحديد معالمه بصورة تتطابق مع أشكال نظم الحكم التي ذكرناها سابقا والتي حكمت حياة المسلمين وقد صاغ هذا النظام الرسمي الحاكم أحاديث موضوعة لتوكيد هذه الممارسة فعند وصول الحاكم لرأس السلطة بأي من الطرق التي مر ذكرها فإنه يصبح حاكماً بامر الله ويصبح ولياً للأمر والذي تم تفسير آية الولاية ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) لتنطبق عليه وحتى لو كان فاسقا أو جاهلا كما بين ذلك الباجوري في طرق تعيين الإمام: (ثالثها- استيلاء شخص مسلم ذي شوكة متغلب على الإمامة ولو غير أهل لها كصبي و إمرأة وفاسق وجاهل، فتنعقد أمامته لينظم شمل المسلمين، وتنفذ أحكامه بالضرورة - حاشية الباجوري على شرح الغزي ص 259) وبالتالي فتصبح بيعته واجبة وملزمة ولا يوجد فيها أي خيار والخروج عليه يعتبر خروجا على البيعة يعرض الخارج فيه للقتل وان تبين وظهر فسقه للملأ وبالتالي فقد تم إضفاء صبغة ومسحة دينية على مظاهر إستبداد الحاكم بأمر الله أو الخليفة.

ولم يعمل بمبدأ الشورى في إختيار الحاكم أي بالأنتخاب وإن كان مبدأ الشورى قائما ومعمولا به في الأمور الأخرى في نطاق محدود، مثلا إن مبدأ الشورى قد تم العمل به في شورى الحل والعقد والذي كان الحاكم يؤسسه هو دون الرجوع للرعية وكان هو يسمي من يراه معه ويستبعد من يخالفه بالرأي ولم يتم أبتكار أو تطوير أي آليات تعمم مبدأ الشورى لتطال الأركان الأساسية في حياة الأمة، كأن يرقى لمستوى إختيار الحاكم مثلا أو تطوير فكرة أهل الحل والعقد أو فرض آليات ووسائل ملزمة كنوع من العقد الأجتماعي بين الحاكم والمحكوم يلتزم به المحكومون ولا يحيد عنه الحاكم، وبذلك بقيت أو تجمدت الأشكال المذكورة للحكم لإنها تلبي رغبة التفرد والإستئثار بالسلطة عند الحاكم والتي هي شئ يكاد يكون حتميا لنشوء إستبداد في غياب حدود ملزمة للتمدد على حساب حقوق المجموع.

 ونعتقد أن مسألة البيعة التي تم إستغلالها والإستفادة منها بطريقة جائرة لضمان حكم دائم للحاكم ليس له فقط بل لمن يرثه في الحكم وان مبدأ إن في عنق الناس بيعة وربطها بإحكام بالمسألة الدينية والخروج عليها يعتبر خروجا على الإجماع العام مما يستوجب قطع تلك العنق التي فيها بيعة، قد فرض إرهابا فكريا وشكل رادعا عنيفا لمسألة تطوير وإستحداث آليات مبتكرة للحكم لا تتعارض مع أصل الدين بل تطور الوسائل التي أتاحها الدين مثل الشورى ومبادئ العدالة الأجتماعية وجعل من تسول له نفسه التفكير في هكذا أمر تحت دائرة الشبهة والمطاردة والتغييب، لذلك توارت إمكانية تحديث وسائل وآليات التطوير في هذه المسألة في المجتمعات الإسلامية مقارنة مع ما نتج في المجتمعات الغربية من إبتداع قضية الديمقراطية وإن لم تخل المجتمعات الغربية من وسائل أرهاب فكري، وإنها وان ربطت قضية الحكم بمسألة الدين لتعطيها صفة القد